محمد جواد مغنية
250
في ظلال نهج البلاغة
الكريم . . ولست من علماء الفلك والطبيعة كي أشرح وأجري المعادلات كما يفعل المتخصصون ، وإذا ذكرت شيئا من ذلك فإنما التقطه من أقوالهم ، وأنقله عنهم للقارئ . وفعلت ذلك في شرح الخطبة الأولى وغيرها . ولذا أختصر هنا ما أمكن . ( وكان من اقتدار جبروته ، وبديع لطائف صنعته ) . الجبروت القدرة والسلطة ، والبديع المبتدع والمخترع ، ولطائف الصنعة جودتها ودقتها التي تدل على قدرة صانعها وعظمته ( ان جعل ماء البحر الزخر إلخ ) . . يشير بهذا إلى أن الكون خلق من الماء . وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الخطبة الأولى فقرة « حول الكون » ( يحملها الأخضر المثعنجر ) أي البحر ، وهو أخضر في رؤية العين ( والقمقام المسخر ) سخّر سبحانه البحر لمنفعة الناس وغيرهم من الخلق . ( ووقف الجاري منه لخشيته ) الكون بكل ما فيه من بحار وظواهر حية وجامدة يسير على مبدأ النظام الذي أودعه اللَّه فيه ، وقد مرت ألوف السنين أو ملايينها ، والكون على نظامه هذا ، وتمر أيضا ملايين أخرى ، وهو على ما كان من ضبط ودقة وثبات ، ومن هنا استطاع العلماء أن يستخرجوا من ظواهر الطبيعة قوانين راسخة ثابتة إذ لا قانون بلا نظام ثابت ( وجبل جلاميدها إلخ ) . . خلق سبحانه الصخور والجبال ، وجعل أصولها راسخة ، وأعاليها شامخة لتكون أوتادا للأرض تمنعها من الانهيار والاضطراب . وتقدم مثله مع الشرح في الخطبة 89 . ( فجعلها لخلقه مهادا ، وبسطها لهم فراشا فوق بحر لجي إلخ ) . . قال أحمد زكي في كتاب « مع اللَّه في السماء » ما يتلخص بأن في الأرض صخرا ، يغمر أكثره طبقة من ماء ، وفوق الصخر والماء طبقة من هواء ، ونحن بني الانسان والحيوان والنبات نعيش في أعماق هذه الأشياء الثلاثة ، فمن الهواء نستمد أنفاسنا ، ويبني النبات جسمه ، ونحن نأكل النبات والحيوان الذي يأكل النبات ، ومن كليهما نبني أجسامنا . . نحن مقيدون بالأرض ، ولصالح الانسان كان هذا القيد ، ان الانسان لو ذهب في الأرض سفلا لطمره الصخر ، أو ذهب في البحر نزولا أغرقه الماء ، أو صعد في الهواء علوا تعذر عليه التنفس . فعن حكمة إذن كان ربط الانسان بهذه الأرض ( ان في ذلك لعبرة لمن يخشى ) اللَّه وسطوته .